فخر الدين الرازي

61

تفسير الرازي

الدين الحق الذي نحن عليه ، ومن الناس من قال : الأولى أن يحمل ( الحسنى ) على هذا الوجه بدليل أنه تعالى قال بعده ( لا جرم أن لهم النار ) فرد عليهم قولهم وأثبت لهم النار ، فدل هذا على أنهم حكموا لأنفسهم بالجنة . قال الزجاج : لأرد لقولهم ، والمعنى ليس الامر كما وصفوا جرم فعلهم أي كسب ذلك القول لهم النار ، فعلى هذا لفظ أن في محل النصب بوقوع الكسب عليه . وقال قطرب ( أن ) في موضع رفع ، والمعنى : وجب أن لهم النار وكيف كان الاعراب فالمعنى هو أنه يحق لهم النار ويجب ويثبت . وقوله ( وأنهم مفرطون ) قرأ نافع وقتيبة عن الكسائي ( مفرطون ) بكسر الراء والباقون ( مفرطون ) بفتح الراء . أما قراءة نافع فقال الفراء : المعنى أنهم كانوا مفرطين على أنفسهم في الذنوب ، وقيل : أفرطوا في الافتراء على الله تعالى ، وقال أبو علي الفارسي : كأنه من أفرط ، أي صار ذا فرط مثل أجرب ، أي صار ذا جرب والمعنى : أنهم ذوو فرط إلى النار كأنهم قد أرسلوا من يهئ لهم مواضع فيها . وأما قراءة قوله ( مفرطون ) بفتح الراء ففيه قولان : ( القول الأول ) المعنى : أنهم متروكون في النار ، قال الكسائي : يقال ما أفرطت من القوم أحدا ، أي ما تركت . وقال الفراء : تقول العرب أفرطت منهم ناسا ، أي خلفتهم وأنسيتهم . ( والقول الثاني ) ( مفرطون ) أي معجلون . قال الواحدي رحمه الله : وهو الاختيار ووجهه ما قال أبو زيد وغيره فرط القوم الفارط ، وفرطوه إذا قدموه فمعنى قوله ( مفرطون ) على هذا التقدير كأنهم قدموا إلى النار فهم فيها فرط للذين يدخلون بعدهم ، ثم بين تعالى أن مثل هذا الصنع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ، فقال تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم ) وهذا يجرى مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم . قالت المعتزلة : الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجوه : الأول : أنه إذا كان خالق أعمالهم هو الله تعالى ، فلا فائدة في التزيين . والثاني : أن ذلك التزيين لما كان بخلق الله تعالى لم يجز ذم الشيطان بسببه . والثالث : أن التزيين هو الذي يدعو الانسان إلى الفعل ، وإذا كان حصول الفعل فيه بخلق الله تعالى كان ضروريا فلم يكن التزيين داعيا . الرابع : أن على قولهم ، الخالق لذلك العمل . أجدر أن يكون ولياهم من الداعي إليه . والخامس : أنه أضاف التزيين إلى الشيطان ولو كان ذلك المزين هو الله تعالى لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا . وجوابه : إن كان مزين القبائح في أعين الكفار هو الشيطان ، فمزين تلك الوساوس في عين